المقريزي
51
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وعن ابن عباس : أن نوحا عليه السلام دعا لمصر بن بيصر بن حام فقال : اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد ، وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا ، واجعل فيها أفضل البركات ، وسخر له ولولده الأرض ، وذللها لهم وقوّهم عليها . وقال كعب الأحبار : لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر فقيل له : لم ؟ فقال : لأنها بلد معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء أكبه اللّه على وجهه وهو بلد مبارك لأهله فيه . وقال ابن وهب : أخبرني يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن ابن أبي هلال : أن كعب الأحبار كان يقول : إني لأحب مصر وأهلها ، لأن مصر بلد معافاة وأهلها أصحاب عافية ، وهم بذلك مفارقون ، ويقال : إن في بعض الكتب الإلهية : مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه اللّه تعالى . وقال عمرو بن العاص : ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة يعني إذا جمع الخراج مع الإمارة ، وقال أحمد بن مدبر : تحتاج مصر إلى ثمانية وعشرين ألف ألف فدان ، وإنما يعمر منها ألف ألف فدّان ، وقد كشفت أرض مصر ، فوجدت غامرها أضعاف عامرها ، ولو اشتغل السلطان بعمارتها لوفت له بخراج الدنيا . وقال بعضهم : إنّ خراج العراق لم يكن قط أوفر منه في أيام عمر بن عبد العزيز ، فإنه بلغ ألف ألف درهم وسبعة عشر ألف ألف درهم ، ولم تكن مصر قط أقل من خراجها في أيام عمرو بن العاص ، وأنه بلغ اثني عشر ألف ألف دينار ، وكانت الشامات بأربعة عشر ألف ألف سوى الثغور . ومن فضائل مصر : أنه ولد بها من الأنبياء موسى ، وهارون ، ويوشع عليهم السلام ، ويقال : إن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه أخذ على سفح الجبل المقطم ، وهو سائر إلى الشام ، فالتفت إلى أمّه وقال : يا أمّاه هذه مقبرة أمّة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويذكر أنه ولد في قرية اهناس من نواحي صعيد مصر وأنه كانت به نخلة يقال : إنها النخلة المذكورة في القرآن بقوله سبحانه وتعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [ مريم / 25 ] وهذا القول وهم ، فإنه لا خلاف بين علماء الأخبار من أهل الكتاب ، ومن يعتمد عليه من علماء المسلمين أن عيسى صلوات اللّه عليه ولد بقرية بيت لحم من بيت المقدس ، ودخل مصر من الأنبياء ، إبراهيم خليل الرحمن ، وقد ذكر خبر ذلك عند ذكر خليج القاهرة من هذا الكتاب . ودخلها أيضا يعقوب ويوسف والأسباط ، وقد ذكر ذلك في خبر الفيوم ، ودخلها أرميا ، وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذي أثنى عليه اللّه جلّ جلاله في القرآن . ويقال : إنه ابن فرعون لصلبه ، وأظنه أنه غير صحيح ، وكان منها جلساء فرعون الذين أبان اللّه فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسى وهارون عليهما السلام ، لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالى : قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ